إخوان الصفاء

26

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

تهاونت ولا تبالي إن انشقت البيضة أو انخرفت المشيمة ، إذا سلم الفرخ أو الطفل فهكذا حال النفس مع الجسد إنما تشفق على الجسد وتصونه وتحنّ عليه ما لم تعلم بأن لها وجودا خلوا من الجسد ، وأن ذلك الوجود خير وأبقى ، وألذّ وأحسن من هذا الوجود والبقاء الذي مع الجسد . فإذا استتمّت الأنفس الجزئية وكملت صورتها ومعارفها ، وانتبهت النفس من هذا النوم واستيقظت من هذه الغفلة ، وأحست بغربتها في هذا العالم الجسماني ، وأنها في أسر الطبيعة في بحر الهيولى تائهة في قعر الأجسام ، مبتلاة بخدمة الأجساد ، مغرورة بزينة المحسوسات ، وبان لها حقيقة ذاتها ، وعرفت فضيلة جوهرها ، ونظرت إلى عالمها ، وشاهدت تلك الصورة الروحانية المفارقة للهيولي ، وأبصرت تلك الألوان والأصباغ والملاذّ العقلية ، وعاينت تلك الأنوار والبهجة والسرور والرّوح والريحان ، هانت عليها مفارقة الجسد ، وسمحت بإتلافه في رضى اللّه ، عزّ وجل ، ونصرة الدين وصلاح الإخوان . ومما يدل على ذلك أن الأنبياء ، صلوات اللّه عليهم ، يرون ويعتقدون بقاء النفوس وصلاح حالها بعد تلف الأجساد ، ما فعل موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء ، عليهم السلام . وذلك أن موسى ، عليه السلام ، قال لأصحابه ولإخوانه : « توبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم » . يعني هذه الأجساد بالسيف ، لأن جوهر النفس لا يناله الحديد ، وذلك أن القوم افتتنوا بعبادة العجل في غيبة موسى إلى الجبل ، فلما رجع إليهم وبان لهم أنهم قد ضلّوا ، ندموا وتابوا . ولما عرف موسى أن الذين تنزهوا عن عبادة العجل من الذين ثبتوا على سنّته بعد مبعثه ، والذين عبدوا العجل الذين نشأوا على سنّة الجاهلية قبل مبعثه ، وعلم أنهم إن بقوا بعد موته لم يأمن أن يحدثوا في دينه وسنّته وشريعته شيئا آخر ، رأى من الصواب أن ينفيهم من محلّة بني إسرائيل . وأذن اللّه تعالى له في ذلك لما فيه من الصلاح للجمهور والنفع للعام . ثم قال لهم موسى : إن أردتم